بين جيلين.. آباء وابناء بقلم الدكتور عادل عامر

48

بين جيلين
بقلم الدكتور عادل عامر

بين جيلين سابقا كانت قدوة الأفراد التلقائية الوالدان او الأخ الكبير حيث كانوا هم المثاليين للعائلة للاحتذاء بهم ، على الرغم من ان شيمة الوالدين قديما، وتحديدا الاب، كانت الحزم والصرامة والشدة والأمر والنهي، وشيمة الابناء السمع والطاعة فلا حوار بينهم.

بدأ المجتمع يتغير ويتوجه صوب منهج العقلانية والتفاهم والحوار لبناء جيل اكثر وعيا واكثر حرية حيث ووصلنا الى ما نحن عليه الآن من جيل اليوم الذي تربى تحت رعاية والدين متعلمين يؤمنان بأن الحرية باتت ضرورة وبأن الحوار منهج ومسار للحياة فهل تغيرت النظرة تجاه القدوة؟ وهل ما زال الوالدان يشكلان الثنائي المثالي الناجح بالنسبة للأبناء؟
تبين عالية وسام ان الزمن لا يعود إلى الوراء، فجيل اليوم مدلع يطلب ويأمر وينهى، بينما كان جيل الامس يلبي ويسمع ويطيع، حتى ان كان ذلك رغم أنفه.

تجاوز الخطوط الحمراء

وعلى الرغم مما يتمتع به جيل اليوم، فالوالدان محط انتقاد دائم من ابنائهما الذين لا يعجبهم العجب، رغم ان هم الوالدين هو اسعادهم بشتى الطرق وتلبية رغباتهم ومتطلباتهم كافة، الا ان الابناء في تذمر دائم وسخط مستمر، والسبب هو الدلع والسماح لهم بتجاوز الخطوط

الحمراء باسم الحرية.
ان جيل اليوم لا يضع اهله قدوة له كما كان بالسابق كما انه مهما بلغ علمهم وثقافتهم ووعيهم، فهو يراهم من زمن قديم، حتى ان كانوا حريصين على تلبية جميع رغباته وعلى منحه الحرية.

لا يلتزم كذلك أبناء كلا الجيلين حتى بالقواعد اللغوية، فالرسائل القصيرة التي يتبادلها أبناء هذين الجيلين لا تتبع القواعد النحوية أو الإملائية المعروفة، بل تتبع أنماط لغوية اختزالية ورمزية وضعها أبناء هذين الجيلين أنفسهم، استقرت بمرور الوقت.

عمَّق كل هذا من الفجوة العمرية بين الأجيال، بسبب انهيار لغة التواصل بين جيلي الآباء والأبناء، والتباين الكبير في أنواع الموسيقى وأنماط التفكير والسلوك بين الطرفين، وهو ما انعكس بنهاية المطاف في التنافر الواضح في الآراء.

 

الصراع الدائم بين الاجيال

أمر طبيعي ومن سنة هذا الكون أن تتعاقب الأجيال وترث بعضها، لكن الطارئ الآن هو هذا الصراع بين جيلين، لكل مكوناته التربوية والنفسية ومزاجه الثقافي المختلف، وسبب ذلك هو السرعة الفائقة التي تبدلت من خلالها إيقاعات الحياة، فما أُنجز وتم حرقه من المراحل في التطور التكنولوجي على الأقل خلال نصف قرن يعادل التطور الذي استغرق خمسة قرون، وما تطور وتبدل ليس مظاهر الحياة وأساليب التعامل معها، إنه أشبه بالطلاق أو القطيعة بين زمنين.

فلا الثقافة ولا الفنون بكل مجالاتها حافظت على نسبة من المشترك بين جيلين، وكان لا بد لصراع الأجيال أن يحل مكان تعايشها، رغم أن الأجيال على امتداد التاريخ حملت أسماء تحدد أبرز سماتها، ومنها على سبيل المثال: جيل ما بين الحربين في أوروبا، وجيل الغضب الذي ظهر في بريطانيا في خمسينات القرن الماضي، وكان من أبرز رموزه: كولون ويلسون وجون أزبورن، وكذلك جيل ثورة مايو 1968 الذي ظهر في فرنسا، وتمدد إلى العالم كله.

جيل حزيران

وفي العالم العربي هناك من يطلقون اسم جيل حزيران على من كانوا أطفالاً خلال تلك الفترة القاسية، هكذا كان من السهل العثور على القواسم المشتركة بين أبناء الجيل الواحد، لأنهم يعيشون تحت سقف الزمن ذاته، ويتنفسون المناخات السائدة ذاتها.

إن تعاقب الأجيال ووراثة الخلف لما أنجز السلف كان من نواميس الحياة والطبيعة معاً، لهذا قيل لكل زمان دولة ورجال، لكن التسارع المحموم في التطور والإيقاعات الصاخبة للحياة أحدثت تغييراً شبه جذري في صلة الأجيال ببعضها، وكذلك الصلة بين أبناء الجيل الواحد !.

صراع الاجيال يؤدى الي الخلل الاجتماعي

وحين يصبح صراع الأجيال بديلاً لتعايشها وتكاملها فإن الخلل يصيب النسيج الاجتماعي كله، وهذه مناسبة لاستذكار عبارة أصبحت قولاً مأثوراً لمفكر فرنسي قال بمناسبة تسلمه المنصب الذي كان يشغله أستاذه ورحل..«قد أبدو أطول منه والحقيقة أنني أبدو كذلك لأنه يحملني على كتفيه!!» إن الهوة السحيقة التي تفصل بين الجيل الذي ولد في ثمانينات القرن الماضي وحتي بين جيل 2020 وبين جيل السبعينات المؤسس سياسيا لم تكن محض صدفة وإنما هي هوه صنعتها سياسة منهجية تم اتباعها منذ عهد الرئيس السادات
واستمرت في عهد مبارك [منهج تجريف السياسة] وعلي مدى أربعين عاماً كاملة ومؤلمة من عمر الوطن.

شريحة كبيرة من الجيل القديم تتهم الشباب بالفوضوية، وعدم الجد، وإضاعة الوقت والمال، وعدم تقدير الكبير، ناهيك عن عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وما إلى ذلك…بينما في المقابل يشكو الشباب من عدم تفهم وضعهم، وعدم سماع مشاكلهم، أو دعم مشاريعهم، ونسيان حاجتهم المادية، والمعنوية، والعاطفية أيضاً.

الجيل الجديد ومدى تقصيره

وفي تقديري أن كلا الطرفين مصيب، وأن هناك تقصيراً من الجانبين، ويتمثل تقصير بعض أفراد الجيل الجديد فيما يلي:
لقد أفرزت لنا تلك النعمة التي نتفيأ ظلالها جيلاً هشاً همٌّه تحت قدميه، لا يدري ما هدفه في الحياة، همه تلميع سيارته، وتضييق ثوبه، لا يفارق جوالُه المراوحةَ بين كفِّه وأذنه، تأتيه دررٌ من رسائل الجوال فيبخل بها على والديه، ويزجيها وينثرها لأناس ربما خلو من الأخلاق والآداب.

يتأفف من الجلوس مع والده وإخوانه، وإن اجتمع أهله وعشيرته اعتذر أو تخلف أو تسلل لاوذا، يستكثر عليهم يوماً في الشهر أو السنة، ولا يفرط في يوم واحد تغيب شمسه لم يرى الشلة فيه، إن جلس في المنزل تسلَّط على والدتِه وإخوانِه بالصراخِ والضربِ والأوامرِ والنواهي، لا يتحمل من أهله مساءلة أو مناقشة، فضلاً عن التعليق والمداعبة، بينما يرميه جلساؤه بالعظائم والشتائم فيقابل ذلك بابتسامة الرضا والتحمل.

التعليقات مغلقة.