مصادرة الواقع بالكلية: عن الصدمة في أوقات الحروب و علاقتها بالعاطفة و الأخلاق. 

مصادرة الواقع بالكلية: عن الصدمة في أوقات الحروب و علاقتها بالعاطفة و الأخلاق.

 

مصطفى نصار 

 

مقدمة مختصرة عن الصدمة الحربية

من المعلوم بالضرورة أن الأشياء تنتوع ،فتتأخذ عدة أنماط كالماء الذي يتحول بخارًا في حالة الغليان .

و كذاك الصدمة ،فينبع تنوعها من تنوع ظروفها و نتائجها .

فتختلف بذلك تبعا لعدة عوامل منها اكتساب الصلابة و المرونة و التكييف و خصوصًا الحربية التى تعد من أخطر و أعتى الصدمات بعد الاقتصادية و السياسة.

 

الحرب ذات الفرص الضائعة 

فلا دلالة أبلغ من ذلك أكثر من قاله إيان موريس عن الحرب باعتبارها في الحرب الناجمة عما أسماه “الحرب ذات الفرص الضائعة .

و تنبع تلك الفرص من ضياعها تحت ذرائع واهية كالضغط النفسي و التهرب من المسؤولية .

 

و لابد أن تبدو أعراض الصدمة في الحروب تصقل القلوب ،فتوازي تلك الأعراض مع ما يسمى “اتجاه الحرب”فيشير بذلك الواقع لا فقط نفسية و اجتماعية الحروب،

فتصنف لأربع تصنيفات يكمل بعضها البعض و يحول الصدمة النفسية و الحربية لظاهرة تستحق النظر و التأمل للتأثير و التأثر فيغلب عليها التفلسف و التأليف الغبشي.

تشعب الأمازون :

فيم تتصل الصدمة الحربية بجوهر الحياة ؟!

و من هذا المنظور العام و الشامل ،لا يرتبط أسباب الصدمة بالحروب فحسب ،

إذ لا تنحصر فقط في العقل الجمعي و العاطفي بل تشمل أيضا العقل التحليلي بنوعيه السريع و البطئ

سواء للمحاربين أو المتحاربين . فإذ اتصل العقل الجمعي و الحربي بحقائق و دقائق التاريخ

فتتحول لساحة حرب متكافئة بين الطرفين و ليس حربًا عبثية ينطوي على رغبة دفينية في الإبادة الجماعية .

و لا يتصل ذلك الا بحالات يعطل فيها القانون و يستباح فيها الإنسان كمثل حروب التتر قديمًا و محرقة هتلر تجاه اليهود .

 

و لذا ، تكون الصدمة متصلة منفصلة عن الإنسان بالاستمرار التشاؤمي و توقع الاسوأ ،

و يندمج معها رؤية السجن بالقهر و اللامبالاة تجاه كل شيء حتى نفسك،

و تشبه تلك الحالة طغيان الدهرانية التي أكد فيها الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن

أنها إذ ما سيطرت ترديه قتيلًا عاجزًا تحبسه داخل نفسه لا أكثر ولا أقل منفصلًا عما حوله .

و لا يتم الشعور إلا لذات ممزقة يمتزج فيها الظلم و الغبن و العدوان ،فيمثل السجن رمزًا جيدًا للصدمة الحربية

التي تصيب الفرد ،و ترسم له طريقه و تحلوس العالم لمادة تنافسية يجد الإنسان فيها نفسه بحاجة لتقليل الود

و المشاعر بتعبير ستفين أسما “ضمور العقل الانفعالي”

و يصنف الشخص الآخر بذلك بحسب منتفعته و مصلحته لا قرب و حميمة العلاقة بينهم.

تحول العلاقات الاجتماعية إلى علاقات جافة

فتمسح العلاقات الطبيعية و تتحول لعلاقات جافة مادية ملئية بالاستغلال و تبادل الاستحقاقات.

و برغم الجفاف العاطفي التي يسود تلك العلاقات، فيتساوي العزلة و الانعزال النفسية

بطريقة مستدامة غير متقاطعة لخوف الضحية من الخروج من حالة الدنو الذي صنعها الفرد لنفسها لحبس أحلامه و آماله ،

و تتحول لطريق من السراب يسعى من خلاله لنهاية الصدمة و ما هي الا لحظة البداية الواقعية فعلا .

و يتزامن هذا الشعور مع شعور الوحدة المعرفية التي تسكنها الغربة

التي ترى بصفتها بحثًا عن التماسك المعرفي الذي أشار له الفيلسوف روبرت أودي أستاذ الفلسفة و الابتسمولوجيا

الذي أكد من خلالها أن الصدمة الحربية تتسبب في ظهور أغراض بينوية لضعف الذاكرة و

الزهايمر لعدم القدرة على التفريق و التميز الذي يتصل بالفصل عن الواقع .

المجتمع المقهور الوحشي:الصدمة الحربية و اتصالها بالمجتمع.

فطبقا لعالم الاجتماع سينشيا ماليشربيش ،

اتصال الوحشية بالصدمة النفسية حتمي بسبب البينة و البينة التي تقصي الجميع ،

مما يسنح الفرصة لضياع الفرص و مصادرة الأفكار الحرة حتى تصل لمصادرة الإنسان نفسه .

فتعني بذلك الصدمة الطاغية التي تسلب من الإنسان أعز ما يملك كالقيم و الأخلاق.

الأخلاق الغابية :

ذوبان الأخلاق في عصر الصدمة الحربية.

و لعل هذا ما قصده فريديك نيتشه حينما وضع الأساس لنهاية الأخلاق في الحروب القروسطية

حينما كان الإنسان يعزل نفسه بالعديد من الأمور منها و أبرزها الغرق في الشهوات

أو قراءة المعلقات في حالة العرب أو بمعنى أدق كما يصف برنتجون مور جونيور التمحور حول الثغرات الفردية .

و لا شك أن الصدمة الحربية تتصل بالأنشطة العسكرية العنيفة

أو الإقصائية كما يعلمنا البروفسور نورمان فليكاشتين أن الهولوكوست استخدمت كذريعة جيدة لصناعة المظلومية

لإنها فقط أقصت المعدمين و اليهود المهمشين، و ما ذلك الا علامة على حسن استخدام الصدمة الحربية في صالحهم .

و هذا ما قصده مصطفى حجازي حينما ربط بين الهدر و النفع المهدور ،

فعلى أساس من الصدمة للتصحيح و التضامن التراكمي ،الذي من شأنه إصلاح مبدأي لما يشوب الأمور المسلمة و البديهة.

المركز المرتقي

:محاولة لإصلاح العواقب المدمرة للصدمة الحربية.

و لعل ما تعلم مننا هي نمذجة حركات الفلسفة و الإصلاح بعد الحرب العالمية الثانية من تفريغ الأرض

لزرع الأفكار الجديدة من أول إعادة قراءة التاريخ لموت الإنسان الذي يخلف قطعًا

مجتمعات أكثر مرونة و قابلية للتشكيل و التركيب بمركزيات جديدة ،أو بتعبير ايفون حداد إعادة التموضع .

و يهدي لنا الشيخ أحمد السيد الطريق للخلاص بإدراك مركزية الدين و الوحي لإعادة التسليم

و التوكل كما يجب أن ينبغي . فهذا يجمل الحياة في حلة بهية قريبة من التوازن الحقيقي

الذي لا ينفك و يحتاجه الإنسان حاجة نابعة لا من مجرد حاجة بل تصويب و تحديد مسار بعيدًا عن سلبيات و عواقب الصدمة الحربية

. فإن حل المركزيات الحقة و الصادقة انعكس ذلك على المجتمع و النفس

طرديًا قفزة على أرض صلبة نحو التقدم والازدهار. و على إثر ذلك، يتصرف الغرب بمنتهى الصرامة بما يتعلق بالتاريخ

و الجغرافيا الحربية و ذلك لمدى تغييرها الحقيقي و الفعلي و أثرها العميق على عقل و نفسية البشر غزيريًا و روحًا

. و هكذا ينفك حصار الصدمة الحربية بأنواعها المختلفة و يصبح الإنسان متعدد الأبعاد غير مكروه من الأساس

و محب لحياته ،أو بتعبير الفيلسوف أندريه كونت سبنوفيل الخطو على أولى خطوات السعادة المتناقضة .

فإذ علمت السعادة الخقة اختفت الصدمة و نتائجها و تلاشت الفروق المسببة لها . و لذا

، تمتزج الصدمة الحربية بالبؤس و القهر ،فإن التغلب عليهما واجب لا مفر منه .

قد يعجبك ايضآ