صدمات الطفولة المكبوتة .. تجارب الطفولة المبكرة لا تزول حتى وإن نسيتها

صدمات الطفولة المكبوتة .. تجارب الطفولة المبكرة لا تزول حتى وإن نسيتها

بقلم: د/شيماء محمد حسنين

الأزمات النفسية غير مفهومة المصدر قد تشير لمشكلة مكبوتة منذ الطفولة وفي هذه الأثناء سيكون من الضروري عليك من أجل تفكيك أسباب المشكلة، أن تبدأ التفكير فيما إذا كانت هناك رواسب وتراكمات نفسية تشير لإصابتك بصدمة طفولة مكبوتة حملتها على عاتقك حتى مراحل البلوغ.
الأحداث المؤلمة
كل ما في الأمر أن تجربة الأحداث المؤلمة والمواقف الصعبة خلال سنوات طفولتك الأولى أمر صعب للغاية، وتبقى معك طوال عمرك ويمتد تأثيرها على مدار حياتك كلها ,وبالنسبة لبعض الناس، قد تختار أدمغتهم دفع الذكرى إلى منطقة اللاوعي، لكي يتمكنوا من الاستمرار في عيش حياتهم دون الوقوف على تلك المشاهد المؤلمة.

رد فعل لا واعي

يتم في الأساس بغرض “حمايتك” ومساعدتك على المضي قُدُماً، فهو بمثابة آلية عقلك أوتوماتيكية للتكيُّف مع الصدمات، إلا أن صدمات الطفولة غير المُعالجة قد تسبب لك مشاكل جذرية في طريقة تعاملك مع الأمور والأشخاص من حولك.

أولاً.. كيف تحدث الصدمة العاطفية في الطفولة؟

تعرف الصدمة بأنها حدث مرهق للغاية أو مزعج يجعل الشخص يشعر بالعجز ويخرج عاطفياً عن السيطرة,ويمكن أن تؤدي الصدمات النفسية من أي نوع إلى إيذاء المشاعر وتشويه الذكريات وإصابة الشخص بالقلق المستمر.

الصدمة العاطفية والنفسية

وتحدث الصدمة العاطفية والنفسية نتيجة أحداث مرهقة بشكل غير عادي، لدرجة تحطِم إحساس الطفل بالأمان, وغالباً ما ينطوي الحدث الصادم على تهديد للحياة أو السلامة، كما يمكن أن يكون أي موقف يضغط الطفل ويشعره بالإرهاق أو العزلة صادماً أيضاً، حتى بدون وقوع أي أذى جسدي عليه.
بالتالي فإن التجربة العاطفية هي التي تحدد ما إذا كان الطفل يعاني من الصدمة العاطفية، وليست الظروف الموضوعية التي يواجهها.

الضغوط المستمرة

يمكن أن تحدث الصدمة أيضاً بسبب الضغوط المستمرة مثل العيش في حي غير آمن، أو محاربة مرض، أو التعرض للتنمر، أو الوقوع ضحية للعنف المنزلي، أو المعاناة من صدمة الطفولة المبكرة مثل الإهمال والإيذاء.
وسواء كنت قد شاهدت أو واجهت أي تجربة مؤلمة في طفولتك، فمن المحتمل أن تؤدي البيئة المؤلمة إلى ظهور علامات صدمة الطفولة بعد البلوغ والنضج.
إذ تظهر أعراض الصدمة نفسها بشكل مختلف من شخص لآخر، وهناك العديد من الآثار اللاحقة للمعاناة من الصدمة العاطفية في مرحلة الطفولة.
يوضح موقع Harley Therapy للاستشارات النفسية أن هناك اختلافات في نوعية تفاعلنا مع الصدمة النفسية والعاطفية. فالبعض قد يتذكر كل تفاصيل ما حدث، بينما يميل الغالبية إلى فقدان الذاكرة كلياً للتشويش على الصدمة.
يصاب بعض الأشخاص بالعديد من الأعراض منذ الطفولة وتستمر معهم خلال حياتهم، والبعض الآخر لا تظهر عليهم أعراض الصدمة ولكن فجأة أثناء حياتهم الحافلة كأشخاص بالغين وحتى متقدمين في السن قليلاً، قد يحفِّز مثير ما الأمر برمته.

أعراض أزمات الطفولة المكبوتة:

المعاناة من القلق والاكتئاب غير المبرر بشكل عام تشمل العلامات التي يجب البحث عنها كشخص بالغ تعرضت لصدمة عندما كنت طفلاً، ما يلي:
-المعاناة من الاكتئاب و / أو القلق المزمن.
-المعاناة من التقلبات المزاجية و / أو الميل إلى المبالغة في ردود الفعل.
-مواجهة صعوبات في إدارة التوتر.
-اعتقاد وإيمان راسخ أن العالم مكان خطير ومؤذٍ.
-مواجهة صعوبات في الثقة بالآخرين.
-شعور لا يمكن تفسيره بالوحدة والعزلة.
-غير قادر على الحفاظ على علاقات دائمة ومرضية.
-تشعر دائماً بالخدر أو أنك “تشاهد” نفسك من الأعلى.
-الأرق و / أو الكوابيس المستمرة مع مواضيع متكررة.
-صعوبة في التركيز.
-شعور لا يمكن تفسيره بالخسارة والحداد والذنب.
-الأوجاع والآلام غير المبررة و / أو التعب المزمن.
-أذهل بسهولة وغالباً ما يكون منفعلاً.
-الميل لسلوكيات الإدمان.
-إيذاء النفس.
-حالات الصحة العقلية ذات الصلة بصدمات الطفولة.
إذا كنت تعاني من صدمة في مرحلة الطفولة، فمن الشائع أن تعاني من القلق والاكتئاب كشخص بالغ، إلى أن تطلب المساعدة للكشف عن تجربتك ومعالجتها ,وتشمل مشاكل الصحة العقلية الشائعة الأخرى السلوك الإدماني وإيذاء النفس والغضب المكبوت ومشاكل إدارة الغضب واضطرابات الأكل.
يرتبط الاعتداء الجنسي على وجه الخصوص بتطور اضطراب الشخصية الحدية.
بالنسبة لبعض الأشخاص الذين عانوا من صدمة الطفولة، فقد تظهر عليهم أيضاً أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، أو PTSD.
ثانياً: الذات الزائفة بسبب عدم تلقي الاهتمام والحب في الطفولة
عندما يحمل الناس أعباء صدمات الطفولة العاطفية معهم لمرحلة البلوغ، يمكن أن تكون النتيجة هي تطويرهم لـ”نفس مزيفة”,ويحدث هذا عندما لا يشعر الطفل بالحب أو الرعاية التي يحتاجها، وبالتالي يبدأ في أن يكون “ما يرغبه الآخرون منه” لكي يستحق المحبة والاهتمام والرعاية.
يمكن أن يصيبنا دفن المشاعر بهذه الصورة بعدم الاكتفاء، والوقوف عائقاً أمام تلبية احتياجاتنا العاطفية الفعلية، وينتهي الأمر إلى تطوير المصاب بصدمة نفسية لشخصية زائفة له يقوم بالتعامل بها مع العالم، ولكنها في الواقع لا تعكس ذاته الحقيقية.
ويوضح موقع Advekit للصحة النفسية والعقلية، أنه عندما يدفن الشخص عواطفه من سن مبكرة، فإنه يفقد الاتصال بمن هو حقاً ويصاب بالرعب من الانكشاف للآخرين، وحينها يعني هذا بالنسبة له أنه لن يستحق الاعتناء أو الحب أو القبول.
أفضل طريقة لاكتشاف ما إذا كانت الذات الزائفة هي علامة على صدمة الطفولة بالنسبة لك هي البحث عن خدمات العلاج التي تركز على الصدمات. سيساعدك العثور على معالج متخصص في الصدمات العاطفية في مرحلة الطفولة على إعادة الاتصال بمشاعرك والتعبير عن مشاعرك.

ثالثا: ردود الفعل الحادة وغير المبررة لأشخاص ومواقف وأماكن محددة:

هل سبق لك أن قابلت شخصاً ما وشعرت على الفور بالرغبة في الهروب منه؟

قد يكون هذا الشعور علامة على صدمة الطفولة المكبوتة. إذ يحذرك عقلك وجسمك من أن هذا الشخص غير آمن، حتى لو لم تكن تعرفه جيداً.
ونتيجة لذلك، قد تشعر أن جسمك يتحول إلى وضع دفاعي، أو تجد لديك رغبة قوية في الهروب من الموقف دون تحديد السبب. كما قد يكون رد الفعل هذا لأن هذا الشخص يذكرك بشخص تسبب لك في صدمة في الماضي.

غياب المرونة والقدرة على التعامل:

-كما يمكن للأماكن أيضاً أن تثير مشاعر التوتر والخوف والقلق لدى الشخص الذي يقمع ذكريات صدمة الطفولة لديه. لأنك عندما تمر بتجربة الصدمة لأول مرة، يقوم دماغك بتدوين ملاحظات عن كل شيء – الألوان والروائح والأصوات.
وهذا يعني أن مجرد التواجد في مكان مشابه لذكريات طفولتك المكبوتة قد يؤدي لإثارة هذا الخوف العميق بداخلك ويدفعك للدخول في وضعية “القتال أو الهروب”.

المعاناة من التحولات العاطفية الشديدة:

عندما يكون من الصعب عليك السيطرة على عواطفك في معظم الأوقات، فاعلم أن هناك رواسب صدمة منذ الطفولة لديك ,فقد تجد أنك مستاء للغاية من تعاملات يومية مع الآخرين. وقد تجد نفسك تنتقل سريعاً من حالة الاسترخاء والراحة إلى الشعور بالغضب أو الخوف والذنب، كل ذلك بسبب شيء يبدو صغيراً وتافهاً. وغالباً ما يكون هذا التغيير لأن هذا الشيء الذي يبدو صغيراً على ما يبدو يذكرك دون وعي ببعض جوانب صدمة الطفولة المكبوتة عندك.

مشاكل التعلُّق والارتباط:

تسبب لك العديد من صدمات الطفولة المكبوتة بالخوف الشديد من الهجران.
ويمكن أن تكون مشكلات التعلق بسبب اضطرابات النمو التي تسببها التجارب الصادمة في السنوات المبكرة من حياتك.
قد تجد أنك أصبحت مرتبطاً بشدة بأشخاص آخرين وتشعر بالضيق أو الانفعال الشديد تجاه مغادرتهم لك. حتى لو كان شريك حياتك فقط يغادر مؤقتاً لقضاء أمسية في الخارج مع صديق له، فإن تلك المواقف قد تسبب قلقاً وخوفاً شديدين، وتبدأ مخاوف الهجران التسلل إلى عقلك.

القلق المزمن:

القلق هو عاطفة يتعايش بها الكثير من الناس طوال حياتهم ,ويكون أولئك الذين قمعوا ذكريات الطفولة هم أكثر من يعانون من القلق المزمن والشديد. وبمجرد أن تبدأ في الكشف عن صدمتك المكبوتة مع أخصائي صحة عقلية، ستتمكن من الكشف عن مدى ارتباط القلق لديك بتجاربك المؤلمة.

رحلة التعافي شاقة ولكن مُجدية

كن حذراً من لعب دور الضحية وتوجيه اللوم عندما يتعلق الأمر بصدمة الطفولة, إذ يمكن أن يؤدي التعرف على تعرضك لصدمة ما إلى اندلاع العديد من المشاعر بداخلك، بما في ذلك الغضب والاستياء.
في حين أنه قد يكون من المغري الاتصال على الفور بأفراد الأسرة أو الآخرين الذين تسببوا في معاناتك خلال طفولتك، فمن المستحسن القيام بذلك بعد معالجة مشاعرك حول الموضوع مع متخصصين، وتكون في مكان مستقراً للتعامل مع نتيجة هذه المحادثات.
بالإضافة إلى محاول تفكيك مشاعرك وتحديد المواقف المحجوبة في طفولتك التي تسببت لك بكل هذا الأذى، يمكنك أحياناً أن تبدأ في تحقيق التحسُّن وتتعافى تدريجياً من عرقلة صدمات الطفولة لسير حياتك بشك طبيعي.

 

قد يعجبك ايضآ