إنهم يُحيطون بك قصة قصيرة

بقلم/سمر سعيد

إنهم يُحيطون بك

بقلم/سمر سعيد

صراخ وعويل يملأ المكان، صورة ضبابية أحظى بها من بين أقدامهم
أراهم يهرولون مسرعين للاختفاء يتخبطون ببعضهم البعض،
لا أعلم السبب يحملني والدي فوق كتفه لتصبح الرؤيا أوضح قليلًا
فبرغم الظلام إلا أن القمر وبعض النيران المشتعلة كانت كفيلة بجعلي أرى ما يحدث؛
رجال ضخام البنية يحملون النساء ثم يختفون أرى والدتي يحملها أحدهم تصرخ طلبا للنجدة
إلا أن والدي هرول مسرعًا دون أن يلتفت نحوها،
حاولت ردعه عن تركها إلا أنه لم يستمع لكلماتي بل أخبرني أنها لم تصبح أمي بعد الأن لم أعي ما قاله صرخت،
بكيت، ضربته بكفي الصغير ليعيد لي والدتي قام باحتضاني وتساقطت دموعه كالشلال الهادر حزنًا على فراقها.
استيقظت جسدي يتصبب عرقًا، صراخي يملأ المنزل، عيناي زائغتان كأنني أبحث عن شيء فقدته،
حينما رأيت أبي هرولت نحوه استنجد به ليهدأ من روعي ربت على ظهري، قرأ بعض آيات القرآن الكريم ثم أردف:
أهدئي يا صغيرتي هل لازال يطاردك نفس الكابوس؟!
أجبته بصوت يملأه الدموع:
لازلت أسمع صرخاتها، لازلت أرى دموعها كيف تركتها بين براثنهم كيف؟!
لم أكن أرغب في تركها لكن حمايتك كانت غايتها هي من أوصتني بذلك،
كان قدرها وهي ارتضت به حفاظا عليك فمنزلنا وشم وكان لابد من التضحية وإلا خسرتكما معًا.
بحثت كثيرا وسألت الجميع،
حاولت فهم ما يدور فبرغم مرور كل هذا الوقت ألا أن هذا الكابوس يراودني في مثل هذا الوقت من كل عام؛
أخبرني والدي بعد إلحاح ودموع دامت لأيام وشهور أن هؤلاء صيادون يعيشون بباطن الأرض يخرجون في الأيام القمرية لصيد النساء والعودة مرة أخرى لجحورهم، وأنهم يمتلكون حاسة شم تجعلهم يتعرفون على فريستهم بكل سهولة
لمَ يخطفون النساء؟!
قلتها بصوت يملأه الشك والحيرة
لزيادة نسلهم…
قالها ثم أنصرف وتركني بين راحتي الفكر والحيرة، لا أعلم ما هيتهم ولا وأعرف كيف يفكرون،
لا أعرف مصير والدتي ولا مصير كل من قاموا بخطفهم
بعد زيادة حالات الاختطاف حرمني أبي من الخروج،
قام بإخفائي عن الأنظار بنى بيت جديد فوق ربوة مرتفعة لأسكنه كان يقوم بإحضار الطعام والماء لكي لا اضطر للنزول،
رضخت لأمره مجبرة فأنا لا أعرف ماذا أفعل ولا أعرف أي مكان أخر سوى هذا المكان الذي نشأت وترعرعت به؛
بأحد الأيام لم يحضر لي أبي الطعام ولم يقم بزيارتي كما كان يفعل كل يوم انتظرت حتى المساء عله يحضر لكن بلا فائدة خالفت أوامره ونزلت من قلعتي لأطمئن عليه بينما القلق ينهش قلبي كوحش مفترس هرولت مسرعة نحو منزل والدي لأجد حرارته مرتفعة، جسده ينتفض من المرض، يهذي بكلمات غير مفهومة، ينادي والدتي،
المزيد من المشاركات
يبكي ويطلب منها الغفران، يغيب عن الوعي ويعود مناديا باسمها بكيت حاله فهو لازال يحبها بصدق لم تستطع نسيانها بعد كل هذه السنوات التي مرت بحثت بأرجاء المنزل بحثا عن ماء يساعدني في خفض حرارة جسده
إلا أن المنزل كان يخلو من أي قطرة ماء.
خرجت من المنزل حاملة لدلو الماء أتحسس خطاي كلص يخشى أن يقبض عليه بالجرم المشهود متوجهة نحو البئر،
سمعت صوتًا يأتي من خلفي ألتفت بتوجس نحو الحشائش الصادر من خلالها الصوت لأجد حركة جعلت أوصالي ترتجف،
دمائي تجف بعروقي، أغمضت عيناي وأنا أحاول الخروج من هذا المأزق فأي حركة مني قد تجعلني فريستهم القادمة،
دار بعقلي عدة تخيلات، شعرت أن الموت يقترب نحوي،
حاولت الفرار إلا أن قدمي خانتني لأسقط أرضا وجدت عيون تلمع في الظلام وتقترب نحوي علت دقات قلبي،
كاد يقفز من صدري لحظات مرت كالسنون ليظهر أمامي مباشرة بهيئته البيضاء، أذنيه الطويلتان،
نظرت نحوه لترتسم على شفتاي ضحكة خفيفة
يا لك من أرنب ملعون لقد أخفتني كثيرًا…
حملت الدلو مرة أخرى بعدما قمت بهندمة ثوبي وتوجهت نحو البئر، جلبت الماء وعدت نحو منزلنا لأداوي والدي،
كان الهدوء يعم المكان فالأيام القمرية أوشكت على البدء والمعتاد في مثل هذا التوقيت أن بعد غروب الشمس يختفي الجميع.
سرت في طريقي أنا والدلو وحفيف الأشجار وبعض من ضوء القمر سمعت صوتا يهمس باسمي التفت خلفي فلم أجد أحد،
كنت أشعر أن هناك من يتبعني لذا تركت العنان لساقي لتحملني بعيدا عن هذا المكان، وصلت إلا أنني كنت اشعر أن هناك عيون تراقبني جلست جوار أبي أداويه حتى اختفت حرارته، كنت أخرج بدلا منه أحضر الطعام والماء،
كل مرة كنت اخرج فيها أشعر بعيون تتبعني،
بعد يومين تماثل والدي للشفاء تمامًا، شعرت بالسعادة لعودته سالما
إلا أن علامات الغضب كانت ترتسم على وجهه حينما سألته عن سبب كل هذا الغضب
أجابني: أنني خالفت أوامره وهذا سيعرضني للخطر حاولت بث الطمأنينة داخل قلبه لكنه وبخني بشدة
أنظري جيدا نحو الحائط لقد وضعوا علامتهم عليه، لن أسمح لهم أن يأخذوك كما أخذوا والدتك من قبل،
لن أفرط في أمانة والدتك لابد من الفرار…
قالها أبي وهو يمسك ذراعي ويجذبني نحو الخارج لمغادرة المنزل والقرية كلها
كنا ندور داخل حلقات مغلقة كلما تحركنا نجد أننا عدنا لنفس نقطة البداية حيث منزلنا،
مرت ساعات ونحن على هذا المنوال حتى خارت قوانا، تحامل أبي على جسده
وحاول طمس العلامة الموجودة على جدار منزلنا لكن بلا فائدة فكلما حاول إخفاءها ظهرت أكثر سمعنا صوت بوق قوي يهز الأرض كالرعد، بدأ الجميع في الاختفاء مسكني أبي من يدي وهرول مسرعا نحو المنزل الذي قام ببنائه من أجلي ألا أنني تعثرت، سقطت أرضا قام بحملي وعاد يهرول مسرعا لنجد أحد الصيادون يقف أمامنا مباشرة حمل أبي مشعل كان معلق على أحد الجدران وبدأ بتحريكه أمام هذا الرجل ليشتت أنتباهه كانت بشرته تميل للون الأصفر، عيونه تشبه الجراد، أنفه بارز تمدد طولا أمام أبي حتى صار ضعف حجمه مد يده نحوي محاولا الإمساك بي صرخ أبي
أهربي…
جريت نحو منزلنا القديم كانت الفوضى تعم المكان، أطفال تصرخ، نساء تسير كالمغيبات لاحول لهن ولا قوة، رجال يحاولون ردع هؤلاء المعتدين لكن بلا فائدة فكلما سقط أحد منهم خرج من باطن الأرض غيره، وسط كل هذه الفوضى سمعت صوت ينطق باسمي أشعر كأنني سمعت هذا الصوت من قبل التفت لأجد صاعقة شلت تفكيري أنها والدتي
نعم هي نفس الصوت، نفس الملامح، برغم تغير لون بشرتها إلا أنها هي تقدمت نحوها مسرعة كم كنت مشتاقة لرؤيتها صرخ أبي
لا لم تعد والدتك لقد أصبحت وحش مثلهم
كنت كالمنومة مغناطيسيا اتجه نحوها بلا أدنى مقاومة، أرى ملامحها التي عشقتها طوال حياتي، اسمع صوتها الذي يشبه صوت الكروان في عذوبته وجماله، تبدلت الصورة أمام عيني، لم اعد أسمع صوت بكاء أو صراخ فقط صوتها وهي تطلب مني التقدم نحوها مددت يدي لألمس أناملها كما كنت أفعل حينما كنت صغيرة ظننت أنها عادت لتحيا معنا من جديد لكن بمجرد تشابك أصابعنا عادت الصورة المخيفة، عاد الصراخ ليتها ظلت صورة وردية، ليتها لم تتحول لهذا المسخ الواقف أمامي، ليتها ما عادت، حملتني واختفت وكانت أخر ما رأت عيني دمعة فارة من عين أبي وهو يصرخ اتركوا أبنتي
قد يعجبك ايضآ